عندما نخطو بحرية نتحدى الكرب لتحلق...
شمس الجنوب
تقدمت بخطى ثابتة لا يزعزعها سوى تلك الكلمات التي يتردد صداها في عقلها وتفكيرها، كلمات تحور ذاتها من مجرد حروف وتمتمات إلى صور متحركة تنبض بالحياة، صورة لأطفال يركضون، يلعبون في شمس حارقة تنسج خيوطها لتنعكس كلؤلؤة قاتمة اللون في أجسادهم المعانقة لرمال ناعمة الوثير كخلفية المباني التي تعلو فوق الثرى، أجساد داكنة اللون متسعة العين تظهر بياضها، عيون سوداء قاتمة تعلو أنوف انسيابية الانسلال فوق شفاه كبيرة شديدة الحمرة تخفي خلفها أسنان بيضاء لؤلؤية، يركضون، يصيحون بأصوات عالية وتمتمات بلغة غير عربية أصيلة أقرب منها للقبلية.
ترى طفلاً لا يتجاوز السادسة يركض بثوب أبيض ناحيتها، يتحدث بلغته الأم الفاديجية،
يتحدث بسرعة لا يمكن لشخص بالغ مجابهتها: شمس، هل ستأتين للعب معنا، فقد قام بلال
بشن هجمة بعصاه على مدثر!
رفعت رأسها من فوق قصتها التي أسرتها لتستيقظ على تمتمات الصغير الذي تجاوزته
بأربع سنوات، لتقول برصانة وهدوء: أسفة أصلان، لدي تلك القصة عن الحضارة
القديمة أقدم ملخصها للأستاذة سلمى بعد غد، يجب أن أعيد القراءة لأستطيع
الكتابة!
ليذهب الفتى متراجعاً وهو خائب الطليلة فقد أخذت بهجته شقيقته التي أعادت النظر
لكتابها مرة أخرى.
تفق من شرودها علي ترديد الفتاة التي أمسكت جهاز الإعلان فوق المنصة كلمات تستشفها
من ورقة مظروفة أمامها: تعود جائزة نوبل في العلوم إلى الباحثة الدكتورة شمس محمد
عثمان.
أغمضت عيناها لتبتسم بفخر شفتاها الوردية لتتذكر كلمات الأستاذة سلمى لها: لن أصدق
أن ذلك البحث قد قدمته فتاة تبلغ من العمر عشرة أعوام.
لتعيد الأستاذة التربيت على كتف الصغيرة وهي تقول بعربية أصيلة: يومًا ما سيشهد العالم بقوتك صغيرتي!
لتفرد الفتاة كتفيها بفخر وهي تصحح لكلمات معلمتها بعربية مماثلة بالأصالة: بل سيشهد العالم أجمع على قوة وعظمة أبناء الجنوب من النوبة.
تبتسم لتقف وهي تتحرك بتلقائية، باتجاه المنصة بثوبها العملي المتسم بالرقي والتمسك القيم والعادات، بذلة سوداء لأسفل الركبة تحتها سروال يشابهها للكاحل فوق حذاء مرتفع، يزين وجهها وشاح أبيض يلتف برقة ليخفي شعرها وملامحها بإحكام فلا تظهر سوي عيونها البنية في غشائها الأبيض في وجهٍ داكن خالي من مستحضرات التجميل البالية، تظهر بسمتها الرقيقة في كل خطواتها، تصعد درجات المنصة بزهو، تصل قدميها و تقف أمام رجل متصف بالهيبة والوقار يسلمها ورقة يتأمل العالم بأجمعه التقاط صورة له، ترفع الورقة عاليًا وهى تتأمل صحافة الغد تكتب بالعنوان العريض فوق عمودها الأول ( فتاة مصرية بالسابعة والعشرين تفوز بجائزة نوبل)، ( أول امرأة عربية مصرية تتحدث بلغة فاديجية تحصل على لقب نوبل في العلوم).
توقفت عن الاستمرار برفع الشهادة وهي تتحرك لتبتعد عن المنصة، تتذكر الملكة
الأكديندية ريناس، تذكرت عندما فازت بجائزة أسوان الإبداعية وهي تتسلم الوسام من
المحافظ عندما قدمت مجسم مصغر لبلدة نوبية تعانق الطبيعة والتاريخ، ليطلق عليها
كبير القبيلة التي تلتحق باسمها كفاديجية لقب أميرة أكينداد شمس ريناس لتعانق
تاريخًا قابع في الذاكرة منذ ما يزيد على ألفي عام لمحاربة النوبة الملكة الأكندية
أماني ري ناس (أمانجي ريناس)، المرأة التي تولت العرش بعد موت زوجها لتحارب
الإمبراطورية الرومانية بقائدها أغسطس لتجبره على توقيع معاهدة دولية الأولى من
نوعها بعد حروب ومعارك أثبتت بها تلك الجدارة.
تذكرت عندما قال لها العجوز بثوبه الأبيض وعمامته المشابهة بالثوبِ بياضًا بلغتهم الفاديجية وهو يحيها مبتسمًا لتفتخر ابتسامته بتجاعيد
وجهه الداكن الذي تهرب منه النوائب خوفًا من قوته: منذ اليوم أصبحتِ أميرة أكينداد
ريناس، فأنتِ هي المثال الحي لتاريخنا الذي يتوارى داخل الكتب وخلف تلك الجبال
والصحراء، سأعلم يومًا ما أن أمانجي ريناس عادت لتحتل جسدك لتحارب العالم لتجعله
يركع راضخًا لملوك النوبة.
ردت عليه الصغيرة ذات الاثني عشر عامًا بحب ورحابة صدر: بل يا جدي سيعرف العالم
ماذا تعني بلاد الذهب!، فأنا من كبرت على حكاياتك على تاريخنا العظيم، على أضخم
تاريخ يعانق الطبيعة من تراث شعبي وأدبي.
نظر لها بزهو وهو يرفع رأسه عاليًا أمام أبنائه، ليقول بطلاقة عربية: تذكروا فقط
أن تلك الفتاة ستجعلنا نرفع رؤوسنا شامخين ونحن نقول نحن أبناء الجنوب.
دمعت عيناها على تلك الذكرى وهي تهبط الدرجات مرة أخرى، تتمتم بالفاديجية: اليوم يا جدي علم العالم
ماذا تعني النوبة!
لتقف أمام مقعدها وتجلس بوقار، ترفع رأسها عاليًا بفخر فقد حصلت اليوم علي الوسام
الذي قد أهدته لبلدتها الجنوبية، نظرت للوسام بين يدها لتستعيد بسمتها قائلة
لنفسها: اليوم هو اليوم الذي تحملت من أجله المشاق لأرفع رأسي.
*******
ينتهي الحفل الرسمي ليبدأ بعده حفل الاستقبال، تسير مبتعدة عن ساحة التكريم على
البساط الأحمر لتدلف معه إلى القاعة الجانبية ذات الجدران البيضاء المتباعدة عن
بعضها ابتعاد المشرق والمغرب، تحلق فوق طاولاتها المزينة بالمفارش البنفسجية
والكراسي ذات الكسوات المشابهة لونها الثرايا الكريستالية ذات الدلايات المتلألئة
من تقاطع الإضاءة الذهبية، لتخلق أجواء الاحتفال مع الأحاديث الجانبية بين
المرشحين والفائزين ورفاقهم لتلك الدعوة الزخمة بالفن والأدب والعلوم.
تسلل وسط الجمع الذي تقف به صوت وقور من رجل خمسيني ذو بطن منتفخة متوسط الطول
ليقول بإنجليزية بريطانية: دكتورة شمس، لقد حصلتِ اليوم على أهم جائزة علمية
عالمية وأنتِ نوبية، فما هو شعورك؟
ابتسمت برقة لتقول بصوت واثق بتردد مصدره: أشعر بالفخر دكتور جيفري، فاليوم
وفيت بوعدي لجدي ومجتمعي بأن أجعلهم يفخرون بأبنائهم.
أعجب الجميع بها وهم يتبادلون الحديث، بينما عادت للخلف لأكثر لحظات حياتها
تأثرًا كصغيرة تحلم بعالم وردي، حصلت على الشهادة الإعدادية بالدرجات كاملة
لتكون الأولى على مستوي الجمهورية.
تستمع لحديث زملائها أثناء التكريم، لتسألها إحدى الفتيات: كيف حصلتِ على أعلى
الدرجات وأنت نوبية لا تتحدثون العربية!
ردت عليها ليتفاجأ الجميع: نحن نجيد العربية بطلاقة وأصالة كما نجيد لغتنا القبلية
الأم ونجيد لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية، الألمانية والإيطالية وغيرها.
تساءل أحد الفتية معهم: كيف تجيدون كل ذلك؟
ردت لتعلمهم بفحوى كلامها: نحن مصريون نعيش مع أُناس يتحدثون العربية، فكيف
ننسى لغة موطننا، نتعلم لغة النوبة من أباءنا وأجدادنا فهي تراثنا وثقافتنا، عنوان
مجتمعنا، نتعلم من السياح لغتهم ونتعامل معهم.
أسرعت إحدى الفتيات: شمس، لو قدمنا لأسوان هل ستستضيفنا؟
أجابتها ببسمة: نعم، وأريكم الأثار هناك، فأنا أعلم أماكن المقابر والمعابد!
أنقذها من الشرود حديث وجه لها من قبل إحدى المكرمين من رواد الأدب: شمس
عثمان، لم أصدق عندما تذكرت أين قابلتك، تلك الطفلة الصغيرة التي كانت
مرشدتي السياحية منذ خمسة عشر عام تكرم اليوم كباحثة مصرية!
ابتسمت له وهي تتذكره بالفعل: أستاذ فاضل، لم أصدق عندما رأيتك تكرم اليوم
كأفضل أديب مصري، لقد مرت فترة طويلة عندما رأيتك أول مرة!
وقفت بصمت لوهلة، لتمضي بالكلام زهوًا: لكن اليوم، أنا أكثر فخرًا، فالأديب
الذي سار على أرض الرمال الذهبية، تكرم على حبه لعمله.
ابتسم ليعيد الحديث ليدور بين المجموعة: لن تصدقوا على ماذا كرمت!
نظر له رجل مكتنز يدعي باولو، ليسأل: على ماذا نلت التكريم؟
يرد عليه وهو ينظر للفتاة، يراقب تعبيراتها: شمس الجنوب، نلت التكريم على عملِ شمس الجنوب.
تعجبت من المفاجأة، لتعيد الاستفسار لتتأكد: شمس الجنوب!
غاصت بالماضي عندما بلفت الرابعة عشر، كانت مرشدة سياحية لرجل بالثامنة والثلاثين من عمره بناءً على طلب مسئول العلاقات العامة بالفندق عندما قال له: شمس هي أفضل مرشد سياحي داخل أسوان ستحصل عليه، تعرف كل الأماكن هنا وتاريخها.
كانت معه بكل تحركاته داخل الأماكن الأثرية، ذهبت لوادي الملوك والملكات، كانت معه بمعبد فيلة، رافقته لرحلته لداخل الجبال ليتعرف على الحضارة، رافقته برحلة النهر المقدس وهي تروي قصة النهر حابي، تأملت معه غروب الشمس وهي تتلو الرسالة الجنائزية على مراكب الشمس.
ليستيقظ سهوها عندما تتحدث المجموعة له: أنت تعرف الدكتورة شمس بالفعل سيد فاضل؟!
يضحك وهو يجيب: نعم، فأنا أعتبرها أيقونة الحظ لدي!
نظر لها ليكمل: ذلك الكتاب الذي نلت
عليه الجائزة، ما بداخله من معلومات تاريخية كانت هي السبب بها، لم أحصل بحياتي
على زهرة تجلب الحظ مثلها.
ابتسمت له وهي تتكلم بهدوء واحترام: سيد فاضل، لم أكن أكثر من مجرد مرشدة لك
حينها، فقد كنت بالرابعة عشر من عمري، لكن تعلمت منك الكثير عن فنون الأدب، تعلمت
منك حينها التعمق بالتأمل لأصل للهدوء الداخلي.
أعادت النظر للمجموعة لتكمل بحنين: تعلمت منه الإصرار والعزيمة على التقدم والتأني للحصول على أفضل النتائج.
تجولوا بداخل الحفل ليندمجوا مع الأخرين، لتقف فترة وتشرد عائدة بالخيال عائدة لتسع سنوات سابقة عندما كانت أول مرة تطأ بها قدميها الحرم الجامعي لكلية العلوم بجامعة القاهرة، لمحت عندها نظرات زملائها لها المستفزة والمحتقرة لها، فتاة داكنة البشرة نوبية تحتل مقعد مجاور لهم بالدروس الجامعية، تجلس لينتقدها أبناء الصفوة من الأغنياء، كانت صداقتها الوحيدة التي رافقتها طوال سنوات دراستها المتميزة فتاة هادئة الطباع من أسرة متوسطة الحال، تقدمت لها بتناغم وأقدام لم يسمع لها خطى لحذائها البسيط الذي صمم ليكون عملي.
مرحباً بك بالجامعة، أنا رباب شريف، زميلتك بالدفعة. _ كانت أول جملة سمعتها تنم عن الاخلاق منها_.
مدت يدها لترحب بها، لتقول بنغمة رقيقة تصاحبها بسمه: شمس عثمان، تشرفت بمعرفتك.
ضحكت لها رباب ببسمة ساحرة: بل أنا من تشرفت بمعرفتك، فأخيرًا وجدت شخص أصادقه عدى هؤلاء المغرورين، الذين يرفعون أنوفهم شامخين كأبي الهول.
خرجت ضحكة خافتة من شمس على لهجتها الساخرة، لتتحدث بثقة: لقد نسوا أن أبا الهول قد كسرت أنفه!
جحظت عين رباب لتستدير لها مسرعة، وهي تتلعثم: كسرت أنف أبا الهول بالفعل!، إذاً يمكن كسر أنوفهم.
استمدت شهيقاً من الهواء المنبعث من الأشجار والورود المحيطة بهم: فلتدرسِ بجد لتتفوقي عليهم، فتثبتين أنك الأفضل.
_أنتِ تدرسين بجد!، فلتنضمي لفريق أمي المصون، التي تصر أن تقول، فلتدرسِ رباب، استعدِ رباب، لمَ لا تمسكين الكتاب!، _قالتها وهي تتأفف من تذكر كيف تقول والدتها ذلك_.
لتتعمق الصداقة بين الاثنتان، تستمرا بالدراسة والعمل معًا بالمناهج العملية والجلوس معًا بالمناهج النظرية، تستمع رباب لحكايات شمس عن النوبة وأثارها وتاريخها لتعرف أن لقبها الذي تنادى به بالنوبة هو( الأميرة الأكندية شمس ريناس) لتناديها دائمًا بعدها بالأميرة شمس وتستمع شمس لحكايات رباب عن الحي الشعبي الذي تسكنه مع عائلتها، حي يوجد بالقلعة، لتمر كل صباح ومساء عند عودتها علي تاريخ اسلامي لا يمكن استئصاله من الذاكرة، تاريخ إسلامي يعانقه تاريخ قبطي كنائس وبيوت ومشربيات.
عادت للحاضر وهما يخرجان من الحفل يستقلان سيارة الأجرة لإيصالهما للفندق الذي يقيمان به، لتدخل من باب الفندق، ولا زلت تلك العين التي تتلفت كالتائه تبحث عن الماء، فيكاد يلمح رفيقها ليذهب له راكض، ليتحدث بقلق :لمَ لا ترد على هاتفك أبي؟
يلتفت فاضل له، يرد بنبرة دافئة يتخللها صوت أجش: لقد نفذت البطارية.
يلاحظ الفتاة التي تقف مع والده، لتتسع حدقتيه دهشه، ويقول بتمتمة: شمس!
يفيق بصوت مخملي يشوبه التوتر: آنسة شمس، كيف حالك؟
لترد ببسمة رقيقة ترتسم على ثغرها: بخير، كيف حالك دكتور عمرو؟
انتقلت الدهشة منهم لتستقر على ملامح فاضل، ليسأل بتعجب: هل تعرفان بعضكم البعض!
يتولى عمرو الرد قائلاً: الأنسة شمس كانت إحدى الطالبات التي قد درست لهن أثناء تواجدي كمعيد بمصر.
تفاعلات الفرحة مع الصدمة لتشكل كلمة تأوه من فاضل، ليكمل بعدها: رائع فلا حاجة لي بتعريفكم البعض.
ليجد الغرابة اعتلت ملامحهم المقتضبة، ليكمل باستسلام حال: بل يجب أن أعرفكم على بعضكم البعض، شمس، أقدم لكِ الدكتور عمرو ولدي، عمرو، أقدم لك الأنسة شمس رفيقتي منذ أن كانت طفلة.
لم يزد ذلك التعريف سوى الاندهاش على وجوههم، لينهي فاضل الحديث بكلمته النافذة بأن يذهب الجميع ليستريح من التعب اللاحق بهم، يتقابلوا بالصباح ليفطروا معًا ببلاد اجمعتهم بالغربة توجه بالفعل فاضل برفقة عمرو لغرفتهم وشمس لغرفتها، ولكن شمس كانت بحال ذهنية مشتته، فقد تقابلت مع جزء أخر من حياتها في لحظات قليلة لتستعيد الذكريات مجددًا في حلم طويل من نسج الذاكرة عند نومها.
تحلم بالماضي الذي كان في سنوات دراستها الجامعية، كانت في السنة الثانية بعد أن كانت الأولى على الدفعة، في أولى المحاضرات بالأسبوع الثاني من بداية العام لمادة الكيمياء الحيوية ، كانت مخفضة الرأس لتركز بإحدى الفقرات لم تلحظ همسات الفتيات عند دخول معيد المادة بين اندهاش أو اغتباط، ليعلو صوت مفاجئ يعلن بدء المحاضرة، لترفع رأسها مسرعة لتجد سبب همسات الفتيات يحدق بها من خلف مكتبه.
يقول بصوت رخيم: سأبدأ معكم هذا العام منهج الكيمياء الحيوية، وقد علمتم إسمي من جدول المحاضرات، ولمن لم يعرفه أدعى عمرو، لنبدأ معاً الدرس فلا أظن أنكم التحقتم بكلية عملية المناهج للعب.
لتنتهي تلك المحاضرة الأولى وتستمر الدراسة ومعها رباب فتبدأ المحاضرات العملية بمعمل الكيمياء الحيوية، فتكون المجموعات ثنائية العمل فتفاجئ بكونها تعمل مع شخص أخر أقل مستوي بكثير بل هو شخص يعيد السنة بسبب رسوبه بعدم الالتزام، لتقرر الذهاب للمعيد، لتطلب منه تبديل الشركاء، ذهبت إلى المعمل بهدوء، لتبدأ الكلام بصوت منخفض: دكتور عمرو.
ليرفع رأسه من على الأوراق التي يراجعها، ليسأل ببساطة اعتادها: نعم، هل من مشكلة؟
ابتلعت ريقها، لتعيد الحديث بصوت يشبه السابق: نعم، لقد تفاجئت بشريك عملي اليوم، فقد اعتدت العمل مع زميلتي رباب ونشكل فريقٌ جيد، واليوم وجدت شريكي شخص لا يلتزم بأي شيء!
استمع لها بهدوء ليتكلم متسائلاً عن هويتها: ما أسمك؟
أجابته بثقة: شمس عثمان.
علت ملامحه ابتسامه خافته سرعان ما أزالها، ليوضح سبب تصرفه: آنسة شمس، أنت والآنسة رباب تحصلان على أعلى المعدلات بسبب عملكم، وقد حصلتم على الدرجات النهائية بتلك المادة والمواد العملية طوال العام الماضي، بالمقابل قد كان مستوى أداء البعض متدنيًا وكما بحالة شريك عملك راسب لعدم التزامه.
صمت قليلاً ليردف بتفهم: لا يعقل أن أضع بالعملي أثنان مجدين بالعمل يستطعن الإنجاز بمهارة وأترك الأخرين يتخبطون، فلذلك كان قراري أن أجعل مع كل طالب مجد ومتفوق أخر أقل أداء ليتعلم منه ويعاونه، ولهذا العام وضعت نقاط إضافية لنري نتيجة العمل الجماعي.
تفهمت الموقف والفكرة التي تبناها، لتعتذر وتذهب لتكمل عملها مع شريكها الذي كان أسوأ شريك تحصل عليه، كادت تفقد صوابها بعدم التزامه وعدم استعداده للعمل فقد اضطرت في كثير من الأوقات للعمل بمفردها، إلى أن واجهته مواجهة مباشرة ليستعيد رشده.
حذرته بلهجة شديدة الثبات والحدة: استمع إليّ أستاذ ساهر، أعلم أنك لا تهمك الدراسة وتعتمد على أموال والدك الثري للحياة، لا يهمك شيء، لكن أنا تهمني دراستي، ولم أترك أهلي وأتي للقاهرة لألهو بوقتي، بل جئت لأتعلم العلم وأتخرج من هنا لأفخر بنفسي ويفخر بي أهلي، إذا لم تُقْوم سلوكك سأضطر لتقديم شكوى ضدك للدكتور ولإدارة الجامعة، غدًا لدينا العملي وأريدك متواجد داخل المعمل بالوقت تمامًا جاهز للعمل.
تركته ومشت ليقف مشدوهًا من تصرفها، فهي أول من واجهه بحياته كلها كيف وهو ابن الصناعي الشهير الشربيني، ليتواجد بالفعل بالمعمل ويلتزم بالعمل لتنجح أعمالهم كفريق يشهد له الجميع ويحصل على درجات انجدته بالمادة.
تستلم النتيجة ليحدثها عمرو برزانة: جيد، يبدو أن تأثيرك قوي على الفريق فقد حصل ساهر ولأول مرة على تشجيع يجعله متحفز للعمل.
ابتسمت قليلاً لتتكلم بنبرة ساخرة تكاد لا تظهر: ليس تشجيع لكن تهديد!
لتتسع عيناه، ليسرع متمتم بتعجب: تهديد!
تجيب بهدوء: نعم، هددته لولم ينجح سأشكيه للإدارة.
ضحك لمعرفته بالسبب الذي جعله ينجح، ليتركها ويخرج ليجد ساهر يطرق باب مكتبه فيأذن له بالدخول، لينفجر ضاحكًا بدخوله.
بينما يجلس عمرو بغرفته يتذكر تلك المواقف وكيف صارت الحياة بتلك الفترة، تذكر قوله لساهر من بين ضحكاته: لو عرفت أن تهديد شمس يصلح لك لجعلت منذ البداية جميع مدرسيك يجعلونها معك فريق.
ليخجل الثاني، ويقول باستسلام لوضعه: لو كانت اشتكتني للإدارة ووصل الأمر لأبي لكان حرمني من كل شيء!
استغرب من خوفه من تهديدها، ليسأله وهو يعقد حاجبيه: هل كانت ستنفذ التهديد؟
أجابه الأخر بسخط: حقك فأنت تشبهها لا يهمكم سوى الدراسة فلم تعرف كيف تسير الحياة الواقعية، يا ابن عمتي العزيز، الأستاذة شمس لا تهدد فقط بل تنفذ، فقد وقعت حادثة العام الماضي أمام الجامعة وأصاب ماهر الشافعي ابن المليونير الشافعي فتاة بسيارته وأصيبت بارتجاج بالمخ وكانت فقيرة، خاف الجميع من أن يشهد ضده، لكنها وقفت في وجهه وأعلنت أنها من ستسجنه، وبالفعل قامت بالإبلاغ عنه بالشرطة وشهدت ضده بالمحكمة، لم تخشى تهديد أبيه المتواصل لها، بل قامت بالإبلاغ عن والده أيضًا لكونه يحاول ثنيها عن العدالة، ليسجن ماهر بتهمة الشروع بالقتل....
لينظر له ويكمل بسخرية: وتريد أن لا أخاف من تهديدها، بل أقسم لو علمت أن أبي يهددني لكانت ذهبت له لتشكو إليه!
تذكر أنه بنهاية العام الدراسي كان قد قام بطلب الإذن منها ليدعوها على الغداء، ليجدها قد رفضت ذلك بشكل صريح، ليقابلها بعدها صدفة في حفل زفاف إحدى زميلاتها وكان معها رباب، فقد كان العريس صديقه.
ليلمحها تتجه للشرفة بعيدًا عن الضوضاء ليلحقها، يتحدث وهو يقف بالزاوية: شمس، لقد رفضتِ دعوة الغداء، لكن سأخبرك الأن بسبب دعوتي.
لفت انتباهها كلامه لتستمع له بجدية وهو يقول: لقد أردت طلب يدك، فلذلك كنت أريد عنوانك لأذهب وأطلبك من أهلك مباشرة، فأنا لا أحب المناورة.
لم تنكر تفاجئها من كلامه، لكن استجمعت شجاعتها لتحدثه: دكتور عمرو، لا أنكر أنك شخص لا غبار على أخلاقه أو ذكائه، وأنا أحترمك وأقدرك.... أي فتاة تسعد بعرضك الزواج منها...
استنشقت الهواء لتكمل وهو يترقب ردها الحقيقي على طلبه: لكن أنا لا أفكر بالزواج حاليًا.
لتكمل بنبرة ساخرة قليلاً: فكما ترى أنا بالجامعة أشبه البطة السوداء، يسخر من شكلي الأخرين، يستغربون نجاحي وأنا متزمتة، لكن للحق لا تهمني كلماتهم فهدفي واضح قبل أن أدخل الجامعة، أنهي دراستي وأتفوق لأعود لأهلي بفخر، فذلك الموضوع لن يخطر بتفكيري سوى بعد إنهاء دراستي على الأقل.
عاد للواقع على سؤال أبيه المستفسر: لو كانت هي الفتاة التي حدثتني عنها في الماضي، فأنا موافق.
نظر لوالده، وهو يبتسم: كيف تعرفت عليها أنت؟
ضحك فاضل ليخبره: هل تذكر عندما كنت برحلة أسوان وعدت أخبركم عن الطفلة التي كانت مرشدتي!
عقد حاجبية ليتذكر قائلاً: نعم، لقد كنت تقول أنها بالرابعة عشر وتعرف تاريخ النوبة كما تعرف أسمها وتعرف معالم البر الغربي كلها.
أومأ برأسه ليوافقه، ويزيد بدفء: كانت تحلم بأن تحصل علي الجائزة الأولى بالعالم بالعلم، لتفتخر عائلتها النوبية بها، ويفتخر النوبيين بها... كانت هي شمس.
نظر لوالده بعين متسعه وحاجبان مرفوعان: شمس، أصدقك لقد كانت تحصل على لقب الطالب المثالي وأنا بالجامعة ولم أعرف عنها شيء بعد مجيئي للسويد.
ابتسم فاضل وهو يربت على كتفه: وحصلت اليوم على جائزة نوبل يا ولدي.
مسح على شعره من جبهته لمؤخر عنقه: وهي تستحقها أبي.
ليعود يسأله: ما زلت تريدها زوجة؟
ليرد بهدوء: لا أعرف الغد ماذا يحمل بين ثناياه، لكن ما زلت أحترمها، ففي الماضي لم تنسى ثقافتنا الشرقية واليوم لم تنساها أيضًا.
ذهب الليل بمفاجأته وحضر الصباح بإشراق، ليتقابل الجميع على مائدة الإفطار، ليعود الجميع يتذكرون الماضي، فقال فاضل مداعبًا لها: هل ما زلتِ أميرة أكينداد شمس، أما تخليتِ عن اللقب.
استغرب عمرو من اللقب، بينما هي تجيب: ما زال جدي وعائلتي تناديني به للأن.
سأل عمرو بغرابة: أميرة أكينداد، ماذا تعني؟
ليلتفت فاضل له موضحًا: أتذكر عندما كنت أحدثك عن تاريخ النوبة الذي عرفته وأنا بأسوان؟
أومأ برأسه وفاضل يكمل: في تاريخ النوبة لم يوجد الملوك المحاربين فقط، بل تولى الحكم أيضاً نساء حكمن بحكمة وشراسة، ليمتد حكم النوبيين من السودان لصعيد مصر، وحدث طوال فترة تواجد النوبيين بالحكم سواء الفاديجين أو الأكنديين فترات قوة وفترات ضعف، فعندما تضعف الدولة يقل الرقعة وعندما تزيد القوة تزيد السيطرة، وكانت واحدة من أقوى النساء اللائي حكمن النوبة بعد موت زوجها الاميرة الأكندية أماني ري ناس، التي استطاعت التصدي ومواجهة أغسطس الأول حاكم مصر بعد الإسكندر، كان أغسطس يحاول الزحف علي دولة النوبة، لكن تصدت له أمانجي ريناس كأميرة محاربة، لتحقق لأغسطس خسائر عدة، ليضطر لطلب عقد مصالحة ومعاهدة معها بعد ذلك، لتكون أول امرأة تستطيع مواجهة الإمبراطورية الرومانية... قام جد شمس بإطلاق لقب أميرة أكينداد شمس ريناس عليها لشبهها بقوة أمانجي ريناس.
همهم عمرو، ليزيد على الحديث بإعجاب: الأن علمت سبب قوتك، لقد كان يخاف الجميع من مواجهتك، لا زلت أذكر كيف ارتعب ساهر عندما هددتيه.
لتبتسم قائلة: ليست قوة بل، هي مجرد التزام بالحق، لقد علمنا أباءنا أن نستمر بالعمل وتاريخ عريق يحيط بأصالتنا، وأن لا نخاف المواجهة كأسلافنا.
عاد فاضل ليتولى دفة الحديث، وهو يسأل عمرو: هل ستستمر هنا يا عمرو أم ماذا؟
رد عليه بصوت عادي: لا سأعود يا أبي، لقد قررت أنا وزميلي هانك افتتاح شركة خاصة بمصر.
ضحك فاضل وهو يقول: وأخيرًا قررت العودة بعد نفاذ صبرك من أبحاثك بالغربة!
لوى شفتيه لينهي سخرية أبيه: نعم قررت العودة، تعبنا من العمل لصالح شركات أجنبية لنصدر للعرب أدوية يكتشفها العرب، زوجة هانك ماري نفذ صبرها من التغرب وأرادت العودة لمصر ورؤية أهلها، فقرر هانك السفر معها لكونها عائلته الوحيدة.
سألت شمس بخجل: هل ستقوم حقاً بإنشاء شركة للأدوية؟
نظر إليها عمرو، ليرد بغموض: ما بكِ، دكتورة شمس، هل نسيتِ أننا تخصصنا بالكيمياء الحيوية وأن فريقي قد حصل على عدة براءات اختراع لأدوية عدة!
ليلتفت فاضل بلفتة سريعة لولده وهو يتكلم بتساؤل: هل ستقبل شمس تعمل معكم، يا دكتور عمرو؟
ابتسم قليلاً ليشبع فضول والده: لا أظن أن أي شركة مهما كانت مشهورة يا أبي سترفض التعامل مع الدكتورة شمس، فما بالك بشركة تحت الإنشاء!
لتخجل شمس وتتورد وجنتاها بلمعة عيناها، لتعلن: شكراً لك دكتور عمرو، فهذه شهادة أعتز بها من أستاذي.
ليعيد والده التساؤل: هل وجدتم مكان للشركة؟
يهمهم عمرو، ويجيب بصوت عال يسمعونه ثلاثتهم فقط: نعم، شقيق ماري كارلوس لديه قطعة أرض بالعاشر يريد بيعها قررنا شرائها لبناء المصنع، أما مقر الشركة قررت أن أفتحه بشقتي التي تركتها أمي.
جحظت عين فاضل لتتسع بدهشة: ألم تكن قررت الزواج بتلك الشقة!
رد عليه بهدوء: نعم أبي، لكن أعدت حساب الأمر، بيتنا ليس بصغير، أستطيع الزواج به بعد إعادة طلاء الدور العلوي وتجهيزه.
التفت فاضل لينظر لشمس ليجادل بتردد: ومن ستقبل بالعيش بمنزل قديم يا ولدي؟!
لينظر عمرو لهما بدهشة وهو يضحك، لينظر لشمس مستنجداً: هل تعلمين يا شمس المنزل القديم الذي يتحدث عنه أبي ذاك؟
لتهز رأسها نافية، ليكمل توضيحه: هو بيت جد جدي تم بنائه على الطراز العثماني، أحجاره أكثر ثباتًا من مئات المباني الحديثة، بناه جدي ليكون بعلو ثلاث أدوار، الأول الرئيسي للاستقبال والشقتان العلويتان تتميزان بمساحات لا تضاهي وللبيت حديقته الخاصة!
فهمت شمس الشرح لتعيد النظر لفاضل قائلة: لما لا تقبل أي فتاة الزواج بمنزل أثري أستاذ فاضل، فأظن أن ثمنه يتعدى الملايين غير قيمته التاريخية؟
ليرد عليها مستكينًا: يا ابنتي، لا تنظر جميع الفتيات بنظرتك العاطفية للأشياء، فهم يريدون شقة على النيل ورصيد بالبنوك وسيارات أحدث طراز، فلمَ ستقبل أن تعيش ببيت بنظرهم قد يكون أطلال، مع كونه من أفضل الأبنية والهندسة المعمارية؟
يقطع عمرو الحديث ليستفسر منهم: متي موعد طائراتك؟
لترد شمس بتلقائية: اليوم الساعة الرابعة مساءاً.
ليتقدم عمرو بعرضه: ما رأيكم بأن أريكم بعض المعالم السياحية للسويد قبل موعد مغادرتك؟
ردت بالموافقة لتذهب تستعد للرحلة ويقوم هو بالجلوس مع والده لحين عودتها متحدثًا له: أبي هل يمكن أن تغير موعد السابعة للرابعة؟
نظر له بطرف عينه ليبتسم بسخرية قائلاً: بالتأكيد، لكن نسيت أن تقول الكلمة السحرية!
نظر لوالده بغرابة ليسأل بارتباك: كلمة سحرية، ماذا تقصد؟
رد عليه بتلاعب بأعصابه: أن تقول، أبي تعرفني جيدًا، كما تعرفها وتعرف أهلها، أرجوك تقدم بخطبتها لي لأتزوجها فور عودتي!
نظر له وقد توترت أعصابه من كلمات أبيه، ليتلعثم وهو يكلمه: ماذا، لا أظن أنك قد فهمت ما أقصد، فقد قصدت أن لا تعود بمفردها فقط.
ربت على كتفه بحنان الأب، وبنبرة حانية قال: لا تتوتر هكذا بني، فأنت صديقي قبل أن تكون ابني، وأعلم حقًا كيف تشعر ناحية شمس من رؤيتك فقط، كما أني لن أجد كنة أفضل منها لك، فهذه الفتاة أحببتها منذ أن رأيتها أول مرة ودعوت الله أن تكون لك.
نظر له عمرو مشتت التفكير، ليكمل والده : عندما أعود سأذهب لعائلتها لخطبتها، بمَ أنك ستستقر بمصر فسيكون الأمر سهل، فقط فلتجهز أمرك.
هز رأسه لوالده ليوافق سواء مجبر أو بمحض ارادته، لتبدأ رحلتهم لرؤية المدينة من معالم.
*****
تعود الطائرة لأرض مصر، ينتظرها بالمطار والدها الذي رحب بفاضل بمجرد رؤيته فقد تذكره عندما كان زائرًا لهم، فقد نشأت بينهم صداقة بسبب تلك الطفلة التي أصرت على أن يقيم بمنزلهم ليعرف بعض عادات النوبيين من بساطة ومودة، يرحبون بالضيف كأنه منهم، رأى أعمالهم اليدوية من مشغولات ذهبية تصنع باليد كأنها صنعت بأحدث الآلات، سلاسل وعقود، أقراط مدلاة كأنها تتجلى من رحم الطبيعة لتندمج مع ملابس زاهية الألوان تشغل بيد ماهرة تطرز خيوطها الفضية والحمراء، الذهبية والخضراء تطريزات بألوان الطيف، عمامات الرأس الراقية، أشغال الخوص الرائعة من أوراق النخيل وسعفه لونت بالصباغ الملونة لتزيدها بهجة، الفخار الذي نحت بمهارة فائقة الصنع المنحوت عليه الرسوم التراثية من العروس والنجمة أو الحصان، توضع بجوارها أزهى أعمال الأرابيسك النادرة الصنع اليدوي، مشغولات النول اليدوي.
رحب به فاضل مصرًا على استضافتهم بمنزله بما أنهم كانوا سيغادرون لأسوان: هذه المرة ستستريح بمنزلي سيد محمد، فأنت قبلتني ضيف بالماضي، وحان الأن دوري.
رد محمد متردد: يجب أن نغادر سيد فاضل، فالمشوار طويل.
اعتذر فاضل لهم عن التراجع: أسف لكن لن أقبل ذلك، أنت جئت من سفر طويل، كذلك شمس عادت مرهقة من السفر، فالأفضل أن نستعيد قوتنا من الإرهاق.
قبل محمد والد شمس بعد إصرار فاضل ليستقبلهم بمنزله، الذي انبهروا به بمجرد رؤيته لتعلن شمس بتلقائية: رائعة، هل حقًا تلك التحفة التاريخية تذكرني برمال النوبة، لون الأحجار الرملية الأسدين القابعين يحرسون المدخل من الدخلاء، الأعمدة ذات النهايات المنحوتة تعلوها القباب الدائرية، إنه تحفة معمارية.
وافقها محمد، ليبتسم فاضل مرحبًا: جيد أنه أعجبك، تفضلوا لنشرب كوب الشاي قبل تجهيز العشاء.
بالفعل تم تقديم العشاء وسط سرور وترحيب متبادل من الجميع، ليذهبوا للنوم بغرف الضيوف، فظهر الصباح بإشراقة شمس تحمل نسيم الحياة، تحمل الشوق لربيع مصري اشتاقوا إليه بغربتهم، فكل منهم وقف ينظر للون الشفق بنهوضه من ثباته في نافذة غرفته، كل منهم يحمل فكرة تشغل باله لينتظر معها ذلك اليوم الجديد.
تأملت وهج الشمس من بين أطلاله وهي تتذكر كيف ناضلت بمعمل مركز البحوث تنظر لعشرات النتائج السابقة، تنظر بين عدسات الميكروسكوب لتري تفاعل تلك المادة الحمراء مع تلك المادة البيضاء، تنظر لتفاعل تلك الأخرى مع شقيقتها، لتوقف ملاحظة وتسجل تلك التفاعلات بنداء رباب عليها لتنبهها بموعد الخروج وإغلاق المعمل.
قالت رباب بنفاذ صبر: شمس متى ستنتبهين لنفسك وجسدك ألا يقولون أن لجسدك عليك حق.
نظرت لها وهي تربت على كتفها بحب فهي صديقة ورفيقة الدرب: لم يحن آوان الراحة بعد، فتلك التجربة ستغير الكثير، لقد مات الكثير بسبب العضال لعدم توفر الأدوية النافذة للقضاء عليه، لكن لن أتوقف عن المحاولة…
بتر جملتها قول رباب المتألم: لن تتوقفِ على حساب حياتك، رفضتِ الزواج من العشرات وها أنا تزوجت ساهر وعندنا طفلة بعمر الأربع سنوات، وأنتِ تعارضين ذلك!
استمدت الهواء باستعانة، لتبرر لرفيقتها: رباب، عملي هو جزء من هويتي... وكل من تقدم لي لا يرى ضرورة لعمل المرأة، فكيف أقبل أن أبني قبرًا لحلم العمر الذي ينتظره جدي وأبي وعائلتي.
حاولت مقاطعتها لتحيدها عن فكرتها: لكن….
قطعت وسيلتها بترجي: عندما يحين الوقت ستجديني متزوجة، فلم يحن بعد آوان ذلك، بينما الآن أريد تحقيق هدف واحد، إتمام التجربة بنجاح.
تمتمت وهي تنظر للشمس وقد استقرت قرص ذهبي في السماء: قد تحقق الحلم يا رفيقتي، نجحت التجربة لأحصل على علاج العضال.
بينما كان نظر محمد معلق بالأفق وهو يتذكر قول أبيه له قبل وفاته من عامين: سترى يا محمد شمس ستجعلك فخورًا بأنها تحمل دمك، ستجعل اسمك خالد بين كتب التاريخ.
تنهد محمد بقلة حيلة: لكنها ترفض كل الحياة مقابل انغماسها بين أواني الاختبار ومعادلات لا تنتهي من الكربون والصوديوم وتلك المعادلات التي تحتوي رموز لا حصر لها.
ضحك عليه بتعب وهو ينبهه: لا حصر لها يا ولدي: ألم تكن أنت من كان يدرس لها العلوم، تجعلها تحضر كل تلك المعادلات بنفسك بمعملك منذ كانت بالعاشرة من عمرها.
ابتسم لتلك اللمحة من ذاكرته ليتمتم: قد صدقت يا أبي، لم تخلد اسمي فقط بل اسمك واسم كل النوبيين واسم مصر، فلو استطعت قراءة صحف اليوم لكنت قمت بحفظها بإطارات ذهبية تعلقها فوق مجلسك.
كان نظر فاضل يعمل بذكرى أخرى فقد تذكر عندما عاد من النوبة يجلس مع زوجته الراحلة بينما يدرس ولده ذو السبعة عشر عام، وهو يقص عليها ما رأه من الجمال في تلك البلاد.
قال وهو يريها إحدى الصور: هل تصدقين يا نهلة أن تلك الصغيرة جعلتني أشتاق لها، فأتمنى أن تكون ابنتي، فهي غاية بالذكاء والإصرار.
ضحكت نهلة وهي تقول :ابنتك وهي داكنة البشرة بينما أنت فاتح البشرة.
رد عليها: منذ متى نحكم بلون البشرة، خلقنا الله مختلفين ليميزنا عن بعضنا البعض بالعلم والتقوي.
خجلت منه: سامحني الله على هفوتي، عندك حق ولو أراد الله تحقيق أمنيتك لجعلها كنة لك.
نظر لها وأمّن على حديثها: اللهم أمين.
عاد بنظره للقرص المحلق بالسماء بلون الذهب، وهو يتمتم: اللهم أمين.
انهى الجميع الإفطار لتخرج شمس تستنشق عبق النيل بينما جلس الرجلان معًا بحديقة المنزل، ليبدأ فاضل الحديث بجدية: سيد محمد لو لم تقابلنا بالمطار لكنت قد وجدتني عندك اليوم.
استغرب محمد منه ليحاول الاستفهام: لمَ ذلك؟
دخل فاضل بجراءة عرفها محمد عنه من قبل: كنت سأطلب شمس لولدي عمرو.
لم ينكر محمد ابتسامته، لكن زاد توتره وهو يخبره الواقع: سيد فاضل، يشرفني أن تطلب ذلك، لكن الحق إبانتي هي صاحبة الرأي الأخير، لا أعرف هل ستوافق على ابنك بدون معرفته أم لا.
رد عليه بضحكة: لا تقلق لذلك، فهي تعرفه جيدًا فهو كان معيدًا بجامعتها قبل سفره للسويد والعمل هناك.
هنا زاد قلق الأب: سفره هل سيعيش بالسويد بعد الزواج؟
رد عليه باطمئنان: لا، فقد قرر العودة وسيقوم بافتتاح شركته الخاصة مع زميلين له هنا بمصر فهم قرروا الاستقرار بمصر.
زفر الأب تنهيدة ارتياح: جيد ظننته يريد الحياة بالخارج!
دخلت عليهم شمس لتبدأ رحلة العودة للنوبة، في تلك الأثناء استعد الجميع من عائلتها والجيران لاستقبالها بفرحة عارمة فقد قامت برفع اسمهم عاليًا ليرفرف بجوار العمالقة في تاريخ البشرية، وتبدأ مسامراتهم وأحاديثهم الشيقة بكل تراثهم الشعبي والتاريخي.
عند المساء وبجوار والدها جلست تتحدث عن تجربتها وتلك المعادلات الكيميائية والتجارب الفاشلة والناجحة، ليقاطعها محمد بسؤالها: هل قررتِ الزواج الأن؟
نظرت إليه لتستغرب من سؤاله المباشر: ماذا تقصد يا أبي؟
تكلم بشكل مباشر فخير وسيلة الصراحة: شمس، لقد طلب الاستاذ فاضل يدك لولده، فما رأيك؟
تلعثمت وتوترت: هل عرف الدكتور عمرو بطلبه؟
رد عليها بجدية: لقد فهمت أنه يريدك زوجة لابنه، وأظن هذا رأي ولده.
خجلت ولم تعرف كيف ترد، إلا أنه أعفاها من الحرج: فلتخبريني قرارك بعد ثلاث أيام.
صمت وتذكر شيئاً غفله: أظن الاستاذ فاضل سيتصل بكِ صباحًا يريد محادثتك.
خلدت للنوم وهي تفكر في ذاك العرض، فهي لا تنكر محبّتها للسيد فاضل واحترامها لعمرو، كما أنها تعرف نجاح فريق العمل الخاص به بمجال الكيمياء الحيوية، وكم من تلك النجاحات تكللت بالفوز والتقدير من المؤسسات العلمية العالمية لنتائجهم المبهرة، خطوتهم الجدية للعمل بالمنطقة سيزيد فرص عظيمة لنجاح العديد من الادوية ومعالجة جيدة لأمراض ذات أثمان باهظة، لكنها لم تنسي كم كانت أخلاقه بمحل مدح للجميع منذ معرفتها به، تنتهي بحرب التفكير لتستسلم للنوم.
يحل الصباح مزدانًا بشمس براقة تلمع فوق قمم الجبال لتزينها بخيوط من الذهب، تتناغم مع أصوات الطبيعة وصياح الديكة، نغمات عذبة تنطلق من أفواه المارة من أهل وجيران، لتبتسم فكم اشتاقت لسماع تلك الأصوات، لتقوم من فراشها تغتسل لترتدي الزي التقليدي الجلباب ذو الرسومات المطرزة بعناقيد المشكاة الإسلامية المستندة على الأشكال الهندسية تناغم يزيد أصالة الثوب كما أصالة ملامح الفتاة، لم تكد تفتح أبواب البيت لتخرج فتقابلها هبات الرمال الصفراء، كم كانت تؤلمها عيناها لكنها أشعرتها بترحيب الأرض لها بعودتها، فقد كانت هبّه خفيفة تشبه العناق الدافئ، لتسير وتنظر لتلك البيوت على الجانبين، بيوت لا تتعدى الدورين تتقابلان بتوازي لا يكاد يفرق بيت عن الأخر بلونه الرملي أو رسوماته المثلثة الزرقاء والحمراء التي تزين غلافه العام سوى معرفة البشر لبيوتهم، تندمج مع المارة فتلك رفيقة الصغر واللعب ترحب بها وهي تتعجل للحاق بطفلها الراكض أمامها، ذاك تذكرته رفيق لعب أصلان قد حمتهم من مشادة ذات يوم، لتقف أمام البيت الذي يحيطه سور من نفس اللون، لتفتح بوابته، تجد الأرائك ترتكز بالفناء وتزينها سجادات مفروشه فوقهم لترحب بالجالسين، تذكرت مجلس جدها اليومي فهو نفسه المجلس الذي يتجمع به أصحاب الشكاوي والدعاوي ليشكوها لكبيرهم الشيخ عثمان الأصيل، أصيل بنسبه وكياسته، لتدلف من باب البيت المفتوح ترحب بها العاملات بالبيت وهن يسرعن لتجهيز الطعام للضيوف والمسافرين، فذاك البيت هو مطعم الجائعين والسائلين.
طرقت باب غرفة جدها، ليأتيها صوته من خلف الحواجز: تفضل الباب مفتوح.
فتحت الباب وجدته جالس على فراشه يقلب بأوراق عديدة، فتعجبت منه لتسأل: لمَ تجلس هنا بذلك الوقت يا جدي؟، هل أنت متعب؟
ابتسم عندما رأها ليشير لها بالجلوس مقابله والبحث معه: مرحباً أميرتي شمس، بل جلست هنا فالضوضاء بالطابق الأول تزعجني، أريد الهدوء فأنا أبحث عن ورقة المصالحة التي حدثت منذ أربعون عام بين سالم وصابر، فقد بدأ أحفادهم التشاجر على الأرض، لا يصدقون أمهاتهم أنها تمت عليها الحكم بالمساواة.
ضحكت من صدمتها: جدي كيف ستجد ورقة عمرها أربعون عام؟!
نظر لها وعاد للورق ليقول بصوت جدي: سأجدها، فقد احتفظ أبي بكل ورقة تخصص البلدة، وأنا أحتفظ بهم وكذلك سيحتفظ بها والدك.
استأذنت بالخروج: جدي سأتركك بمفردك حتى تجدها فأنا انتظر اتصال.
قال جدها لها قبل الخروج: قرري بهدوء وتريثي بالحكم وانظري لسيئاته قبل حسناته.
خرجت وهي تتفكر في كلمات جدها، لتحصد بعقلها نتيجة المقارنة، ليوقظها من إعلان النتيجة اتصال هاتفي تفتح بوادره وهي تقف بنافذة غرفتها تشاهد الجبال الشامخة، تتأمل تلك الكلمات التي ينطقها الرجل الكبير الذي يفيض من حبه لها كما لو كان هو من سيتزوجها، لتبتسم على أثر كلماته التي اخترق أثير الهواء لتسكن بهاتفها، فتنهي الحديث بعد غلق الهاتف، لتعود هذه المرة للواقع بحملها رواية مائة عام من العزلة من فوق مكتبها، لتنظر للعنوان لتتساءل، هل حياتها حقًا تشبه تلك الكلمات وستكون العزلة رفيقًا لها بالمستقبل كما كانت بالماضي؟، هل ستصمد مائة عام وهي تعتزل معارك الحياة؟، أم ستظل خلف أنابيب الاختبار؟، تنظر نتائج تحويل كلوريد الصوديوم والفضة أم ستحاول تنشيط الهيليوم من خموله، أم تتوقع تفتيت اليورانيوم بدون ثورانه، ظهرت لألئ أسنانها وهي تفكر في الأخيرة، فيبدو أن تلك الرموز بالجدول الكيميائي احتلت تفكيرها، لتتذكر كلمات أخيها أصلان منذ ثلاث سنوات :
"تفكرون بالجدول الكيميائي وتنتجون الديناميت وتحاولون ترويض اليورانيوم ونتحمل نحن النتيجة، نحمل أكفانًا بيضاء تعلو أكتافنا، فنقدمها برحابة صدر لا يعرفها المنتج!"
لتتمتم هامسة: بل يعرفون النتيجة ولذلك ينتجونها.
مرت ثلاثة أيام تتجول تستعيد ملامح الساحرة السمراء، تقف فوق الهضاب تنظر لملامح النيل ترحب بخيلاء، تختفي بمركب شراعي لتتلمس تلك المياة الزرقاء، تقف أمام ذاك المعبد الصامد منذ الألاف السنوات، تمثال رمسيس وطريق الكباش، معبد مدرج يستقر بثبات، لوحات لا تنتهي من تمازج عبق وأثير التاريخ، سد النيل يعلو طوافات تَرُوج المياه لتبتسم فتلك التوربينات تولد الكهرباء، سد فصلَ النيل من فحواها قسم النوبة لتلك الأجزاء، سودان وجنوب مصر الزهراء، هل ستقف فوق قمة ذاك الجسر تقفز تزيل حدود وليل المساء؟!، تضرعت للسماء تناجي تلك النجوم، فهل هي تشرق هناك كما تشرق هنا بهية ينعاء؟!، تأملت نسيم الليل يخترق رئتاها تلونها بربيع نقي من تلوث الرصاص والدخان، تذكرت كم تعشق ذاك النسيم، لتظل تعانقه وهي تقف بسطح المنزل لتحتضن القمر الذي يطل بدرًا كما يعانق الحبيب المحبوب، لتجلس على تلك الأريكة وتستسلم لنسمات تلفح وجهها الأسمر كما تلفح وجه حورس على جدران المعابد، تيقظها خيوط الفجر تتسلل خلف القطرات الندية بالسحاب، لتتسلل على وريقات شجرة الصفصاف فتلمع بسقوط نورٍ بهي يجعلها كحبات الألماس، تمد يدها تتحسس تلك الفراشة المحلقة المتحدية قواعد الطبيعة، فهل حرقة شمس الجنوب تدفئ أجنحتها الرقيقة التي تذبل بزخات المطر، تسمع صوت أمها تناديها من خلف حجاب أنشئه توحدها مع وثير الحياة.
تنطق بخفة وهي تهبط الدرجات :أنا هنا يا أمي، غفوت بسطح البيت.
لتسمع لمعاتبة أمها: ألن تكتفي من تلك الحركات!
لتقترب من أمها تحضنها: الطبع غلاب.
تشارك عائلاتها بطعام الإفطار قبل قدوم الظهيرة وما تحمله من أخبار، فقد حلت تلك اللحظة ليكون فاضل وولده زوار لبيت الجد يرافقهم محمد والد شمس ليعقد اليوم بموافقة الطرفين بتلك الروابط الجديدة، لم تكد تمر لحظة اتمام الفاتحة ليدخل الفتي مهران ذو التسعة أعوام صارخ:
"لقد عاد…. لقد عاد أخي أصلان." فيخفي جسده ظل شاب عريض المنكبين يتسم بطول يفوق الحاضرين عدا عمرو فكاد يساويه بالطول لولا تفوق الوافد بتلك الميزة الفريدة له.
_ سلام الله عليكم أيها القوم... أطلقها ممازحًا قبل دلوفه للمجلس وهو يلقي بأحضانه بين ذراعي الشيخ عثمان: كيف حالك جدي.
إقرأ أيضا مراجعة رواية عزازيل يوسف زيدان
لترافقه تربيته على ظهره كإعلان بالترحيب وينتقل الدور على محمد، يسلم على الضيفان فيعلم بماهيتهم وقرابتهم الجديدة فيرحب بهم، انطلقت الترحيبات لتصر على الضيفان البقاء بالضيافة، تكفهر ملامح عمرو الذي لم يجد بديلاً لثيابه فجميعهم أقل منه طولاً، ليأتيه الرد بثوب تحمله العاملة المسنة ببيت الشيخ :
"لقد أُرسلت تلك الملابس من بيت أبا أصلان. "
يقف الشباب فوق تلك الهضبة الخضراء، يبتسم أصلان وهو ينظر لعمرو :جيد أنك وجدت ثيابي تناسبك.
ليرد عمرو شاكرًا: بالفعل، فلولا طولي قارب طولك لظللت بدون تغيير ملابسي، أو ارتداء أحد أثواب جدك أو أبيك.
لتبتسم شمس ويضحك أصلان: لكنت عندها أكثر سخافة فثيابهم لا تصل لأقرب من علو العشر سنتيمترات من كاحلي!
لينظر عمرو قائلاً بسؤال: كيف اكتسبت طولاً يوفقهم؟
نظر لشمس وهي تغمزه قبل أن يقول: من جدي الأكبر أصلان فقد كان والد جدي عثمان يتسم بالطول.
ليعيد النظر لشمس وهو يخرج من جيب ثوبه التقليدي علبة من القطيفة الزرقاء، تفتحها لتجد بداخلها سلسال من الذهب يزينه كتاب يفتح لوجهان فتزين أحد وجوهه صورة شمس والأخرى صورة أصلان، ليقول بمحبة تتناغم مع طبقات صوته الفخمة: هدية تألق أميرة أكينداد بسماء العالم، لم تعرفِ مقدار فرحتي وأنا أقرأ الخبر بالجريدة بعد عودتي من مهمتنا بداخل الصحراء، فلم أكد أفتح الجريدة ذات اليومان لن تصدقي صرختي باسمك فقفزت رفاقي من هولها، تفاجئت بتلجيمي من قبل زملائي وهم يظنون مصيبة أطاحت بعقلي!
لتبتسم وهي تحضنه: جيد أنها لم تكن طلقات مسدسك!
ليعلو ضاحكًا: لقد كان بإدراج المكتب يستريح من إرهاقه بأخر مهمة للقبض على شبكة التهريب!
ليتوجه حديثه تلك المرة لعمرو الذي يتأملهم متمتعًا بحنان الأخوة الذي افتقده لكونه الوحيد: متي حفل زفافكم؟
ليجيب وهو ينظر لشمس بنهاية الأسبوع، أي بعد ست أيام.. لينظر بعمق عين أصلان المتسائل لسرعة الموعد، فيعلل برحابة صدر: فبعد عودتنا من شهر العسل سيضيق وقتي بالتجهيز لشركتنا الجديدة والمصنع....
يعود متحدثًا بعد وهلة: وكذلك شقيقتك ستصدم بكمية التجهيزات التي ستتولاها لتجهيز المعامل مع ماري، بينما اتفرغ أنا وهانك لتجهيز الآلات والمعدات والمعاملات الورقية للشحن وإعلان الشركة لافتتاحها بالأسواق.
لينظر لهم أصلان بقلق وهو يقول: يبدو أن مهمتكم صعبة، لكن لو أردت مساعدة سأقدمها، فلدي أحد أصدقائي بشرطة الجمارك سيساعدك بالحاويات، ولو….
قاطعه عمرو بامتنان: بالتأكيد، شكرًا لك، فعندما أحتاج عونك سأطلبه.
مرت الأيام ليقام الحفل بذلك الاحتفال البسيط ذو الطابع الأصيل من أعراس النوبة والرقصات التقليدية على صوت الدف والأنغام المتناغمة مع الملابس التقليدية للحضور، التي أصر الجميع بارتدائها لعبقها حتي ماري وهانك، ورفاق عمرو ومدعوين والده، فشاذا عنهم الثوب الذي أهداه عمرو لعروسه فقد كان ثوب زفاف والدته الذي زادها جمالاً فهو لم يخالف عادتهم بشيء فقد كان لا يظهر جسدها، طويل الأكمام بنهاية مخروطية من الأكمام المطرزة، ولمحات ملساء من الستان الناعم المطرزة بكريستالات ناعمة تضاهي الألماس رونقها فتألقت به العروس، بجوار عريسها الذي تزين بحلته السوداء والربطة الحمراء فوق القميص الأبيض، لتنتهي الاحتفالات بكل ما شملته من طقوس تفردت بها الملامح السمراء من الحضور، بالتحطيب والرقص على الخيل ورقصات النوبيات البارعات.
تمر الأيام وتنشغل الأيادي بتجهيزات لإرساء قواعد شركة أدوية تهتم بصالح البشر قبل صالح البنوك، رسالة أقسم على تنفيذها فهي إحدى الرسائل المقدسة بقاموس الإنسانية، دواء يعالج الحاجة والعوز، يعالج الجهل بتلك العملة التي لن يردفوها لقاموس معاملتهم، فتلك التركيبات بيدهم والطبيعة سيمتزجون بمعامل الشركة العالمية للأدوية، سينفذون كل تجاربهم وخبراتهم بها، ألم يكتشفوا علاجاً لأمراض مستعصية فحان أوان تقديمها للبشر القابعة على أسرة المستشفيات والطرقات بانتظارها.
ينظر لزوجته وهي ترتدي الرداء الأبيض وكمامة الوجه تقف أمام المخبار فتلاقت أعينهم، لمعت عيناها وهي ترمش، تهديه كلمات خجلة من رائحة وأصوات التفاعلات:
عندما يأتي الحب فهو يصاحبه القوة، قوة سنستمدها من تاريخنا الطويل تاريخ يسطر بكلمات تبجلها الأوراق، فيدفعنا بعظمته للأمام، فنصنع أعظم الإنجازات، لتعانق سماء المجد وتسكن بقلوب الأبرياء لتطفو بدعوة شكر على شفاء قلوب أرهقتها الأمراض، فنحن نحمل بأيدينا شفاء الداء.
كتبتها أميرة إسماعيل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
يمنع التعليقات المسيئة للذوق والخلق العام